دوافع وخلاصات الحوار المدني للجمعيات الديمقراطية

بتاريخ 11 أبريل 2012 صدر إعلان الرباط بتوقيع أزيد من 500 جمعية ردا على تصريحات الوزير المكلف بالعلاقة مع البرلمان والمجتمع المدني التي أطلق بها حملة ضد الجمعيات للمس بمصداقيتها وشفافية تدبيرها، وبعيدا عن الاختيارات الإيديولوجية، كان الإعلان يرمي إلى:

 

v   التذكير بالإسهامات الأساسية للحركة الجمعوية الديمقراطية في الإصلاحات الهيكلية بالبلاد؛

v   دعوة إلى وضع إطار سليم لحوار وطني عمومي حول أدوار، وصلاحيات ووموقع المجتمع المدني غذات المصادقة على دستور نونبر 2011. حوار يأخذ بعين الاعتبار مكتسبات وإسهامات الحركة الجمعوية في النضال من أجل بناء الدولة الديمقراطية؛

v   التنبيه إلى ضرورة أن تجرى هذه الحوارات بعيدا عن كل اعتبار أيديولوجي أو/ وحزبي، وتأخذ بعين الإعتبار التنوع السياسي والفكري بالبلاد و معايير التشاور العمومي؛

v   اقتراح المحاور الهيكلية التي يجب أن ينصب حولها النقاش  العمومي.

على العكس من ذلك لم يتم الإنصات إلى النداء

  لذلك أطلقت دينامية إعلان الرباط للجمعيات الديمقراطية ما بين شهر مايو إلى غاية نونبر 2013 مسلسلا لحوار عمومي مفتوح وغير حكومي، بتنظيم أزيد من 20 لقاء جهويا توجت ولأول مرة في تاريخ الحركة الجمعوية بالمناظرة الوطنية للحركة الجمعوية الديمقراطية.

    عرفت هذه الدينامية  مشاركة أزيد من 5000 مناضل ومناضلة جمعوية ،  وانخراط أزيد من 3500 جمعية وشبكة جمعوية.

 هذه التعبئة لم تمكن فقط تغطية لمجمل التراب الوطني ولكن أيضا لكل مجالات تدخل الحركة الجمعوية: جمعيات الدفاع عن حقوق الإنسان، الجمعيات المدافعة عن حقوق النساء، جمعيات محاربة الرشوة، الجمعيات المدافعة عن الحقوق الثقافية واللغوية، الجمعيات المدافعة عن حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة، الجمعيات الشبابية،الجمعيات المدافعة عن الحق في التنمية، و الجمعيات المدافعة عن حماية البيئة، والجمعيات المدافعة عن حقوق المهاجرين، وجمعيات المغاربة في الخارج.

   العديد من هذه الجمعيات والشبكات من راكم أزيد من 30 سنة من التجربة الجمعوية في النضال من أجل القيم الديمقراطية وحماية حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية، ومن أجل حرية الفكر والتعبير، والدفاع عن المقصيين والمهمشين، والفئات الهشة بمقاربة حقوقية وليس بمقاربة إحسانية.

  إن دينامية إعلان الرباط ما فتئت تؤكد خلال كل مراحل هذا المسار على مبدأ وضرورية الحوار والتشاور، وفتح الفضاء العمومي من أجل إتاحة الفرص لكل قوى المجتمع، المجتمع المدني و السياسي و الحركات الاجتماعية الغير مهيكلة للتعبير عن المساهمة في بلورة رؤية، ومرجعية  لبناء الدولة الديمقراطية.

لماذا حوار مدني غير حكومي؟

 هناك ثلاث دوافع وراء إطلاق دينامية مستقلة تشهدها الحركة الجمعوية لا مثيلا لها منذ أزيد من 14 سنة، أي منذ انطلاق الحملة من اجل تغيير قانون الجمعيات سنة 2000-2002.

1-   الدافع الأول:

يرجع إلى الأوضاع السياسية، والتغييرات الثقافية والسياسية والدستورية التي عرفتها البلاد، والمنطقة والعالم أيضا.

v   بغض النظر عن اختلاف التقييمات حول قوة وأهمية  الإصلاحات التي عرفتها البلاد، فإن حركة 20 فبراير كاستمرارية لنضال القوى الديمقراطية المدنية والسياسية، قد سجلت تحولا تاريخيا في النضال والمطالب الشعبية لا يمكن تجاهله.  

v   إن المطالب التي رفعتها الحركة المدنية التي تشكل طرفا أساسيا في حركة 20 فبراير والتي استجابت لها الدولة جزئيا، تضعنا كحركة جمعوية أمام تحديات جديدة تبدأ بالإعمال السليم  والديمقراطي للمقتضيات الدستورية من أجل وضع قوانين وآليات تستجيب لتطلعات المواطنات والمواطنين في مجال المشاركة السياسية، والحق في الولوج إلى المعلومة والمساءلة والشفافية في تدبير الشأن العام، وطبعا يجب أن تنجز هذه المقاربة والإجراءات بعيدا عن أية حسابات أيديولوجية  و بعيدا عن أية رغبة للتحكم، وباحترام للتعدد الثقافي واللغوي، والسياسي و الفكري واحترام استقلالية الحركة الجمعوية. هذه شروط ضرورية لوضع رؤية جديدة وقوانين ملائمة وديمقراطية وإعادة بناء علاقة جديدة بين الدولة والمجتمع، خصوصا في مرحلة أزمة المشروعية الشعبية للديمقراطية التمثيلية.

v   المنهجية في هذه الحالة  هي على نفس القدرمن الأهمية كالمضامين للخروج من علاقة ارتيابية إلى علاقة تشاركية بين الدولة والجمعيات، من أجل وضع أسس لعلاقة جديدة تحترم المقتضيات الدستورية التي الأستجابة إلى مطالب ونضالات الحركة الجمعوية التي خاضتها منذ عقود للاعتراف بها كفاعل أثناء بلورة وتنفيذ وتقييم السياسات العمومية. وليعترف لها بالحق في تقديم العرائض والمبادرة التشريعية.

 

هل أخذت الحكومة بعين الاعتبار المستجدات الجديدة؟ هل استمعت وتجاوبت ايجابيا مع مطالب الحركة المدنية؟ نعتقد أنها لم تفعل بل سارت عكس ذلكن وهذا هو الدافع الثاني لدينامية مستقلة.

2-   الدافع الثاني:

 يرجع إلى مواقف وممارسات الحكومة، نعرض بعضا منها هنا:

أ‌-       منذ التصريح الحكومي الأول كان الموقف واضحاً:« الحكومة ستسن سياسات حكومية للمجتمع المدني».

ب‌-  بتاريخ 26 يناير 2012 و يناير 2013 نشر بالجريدة الرسمية مرسومين وزاريين خول بمقتضاهما الوزير المكلف بالعلاقة مع البرلمان والمجتمع المدني لنفسه صلاحيات «مراقبة حكامة' المجتمع المدني» و« تتبع العرائض والمبادرات التشريعية المقدمة للسلطات العمومية والمنتخبين من قبل جمعيات المجتمع المدني» لقد خول الوزير لنفسه هذه الصلاحيات قبل ان يصدر القانون المنظم للعرائض والمبادرة التشريعية الذي نص عليه الدستور،كما أعطى لنفسه صلاحيات «إصلاح الترسانة القانونية المؤطرة لعمل الجمعيات».

ت‌-   قدم الوزير المكلف بالعلاقة مع البرلمان والمجتمع المدني أمام البرلمان إستراتيجيته المتعلقة بالمجتمع المدني دون أي تشاور مع هذا الأخير، ولو تلك المعروفة بعملها الميداني.  وبعد تقديم هذه الإستراتيجية شن حملة تشهيرية على الجمعيات تستهدف التشكيك في مصداقيتها، مدعيا أنه يريد محاربة "الريع" الجمعوي، واكب هذه الحملة وقف كل التمويلات الصادرة عن الوزارات التي يرئسها وزراء الحزب الحاكم  رغم وجود اتفاقيات بين هذه الوزارات والجمعيات، مما أدى إلى انعكاسات خطيرة على أنشطة وسير الجمعيات المستفيدة من التمويل العمومي.

ج‌-   الخطوة الرابعة تمثلت في محاولة فرض، ودون أي تشاور، إطار قانوني للشراكة بين الدولة والجمعيات والذي تقوم روحه وأسسه على رؤية تنكر استقلالية الجمعيات وتجعلها مجرد منفذ للسياسات الحكومية.

ح‌-   الخطوة الخامسة هي تشكيل اللجنة المكلفة بالحوار الوطني حول المجتمع المدني ورغم كل الجهود التي بدلناها لتشكيل لجنة وطنية مستقلة عن الجهاز التنفيذي، الاجتماعات المتتالية والمشاورات مع رئيس اللجنة الذي قبل مقترحاتنا وانخرط في مقاربتنا، ذلك أننا قدمنا له وأخذا بعين الاعتبار التعدد، أحسن ما أفرزه المغرب في الوسط الجمعوي،  من حيث المصداقية، والتجدر المجتمعي،والاستقلالية.  إلا أن الوزير المكلف بالعلاقة مع البرلمان والمجتمع المدني اختار تشكيل لجنته وفق معاييره الخاصة. لقد فرض تشكيلة نصفها حكومي، والنصف الآخر من خبراء وجمعيات لم نسمع بوجودها من قبل و ثلة قليلة من الجمعيات المحترمة انتهى بعضها إلى الانسحاب من اللجنة. والأسوء هو تعيين أحد قادة حزب العدالة والتنمية كمقرر عام للجنة في انعدام تام للباقة اتجاه رئاسة اللجنة التي كان من المفترض أن تشكل فريقها، و رفض لاستقلالية الحركة الجمعوية والتنكر لتاريخها وإسهاماتها، كل هذا من أجل تحكم أحسن في  خلاصات الحوار الذي فقد منذ البداية كل أسس الحوار.

ذ‌-     الخطوة السادسة: وفي استباق لخلاصات "الحوار" بادر حزب العدالة والتنمية إلى اقتراح مشروع قانون للجمعيات. هنا أيضا من حيث المنهجية نحن أمام إنكار تام لاحترام المساهمين في الحوار الحكومي. ومن حيث مضمون المشروع فإنه يتعارض بشكل صارخ مع الاتفاقيات التي وقعها المغرب في مجال حرية الجمعيات،  ومع المقتضيات الدستورية، ومكتسبات الجمعيات في مجال حرية الجمعيات والولوج إلى التمويل، ومبادئ وقواعد التشبيك والترافع، هذا المشروع يشكل خطراً و تهديداً على مكتسبات الحركة الجمعوية بالمغرب.

ر‌-    الخطوة السابعة وأمام ضعف انخراط الجمعيات في مشروع الحوار الحكومي، لجأت الوزارة إلى إحياء الأساليب القديمة، التي تذكرنا بأساليب وزير الداخلية السابق  إدريس البصري عبر إقحام السلطات المحلية من اجل الضغط المعنوي على الجمعيات للمشاركة في اللقاءات الجهوية.

 

3-الدافع الثالث يرتبط بالمرجعية:

يعود إلى اختيار المرجعية

اتضح منذ بداية الحملة التشهيريية أن  الخلاف الجوهري يكمن في المرجعية ، ومبدأ استقلالية الجمعيات، وحول فلسفة ومنهجية الحوار والاستشارة العمومية، وكذلك في المضمون والمحاور التي سيتم التشاور حولها:

أ‌-       في كل التجارب الدولية الديمقراطية  من البديهي أن تطلق حركة مدنية مسلسل للمشاورات والحوار، أحيانا بدعم مالي ولوجيستيكي وبدون أي شروط  من الدولة. في هذه التجارب تخصص الحكومات وقتا كافيا للاستماع لخلاصات وتوصيات المجتمع المدني قصد إدراجها في السياسات العمومية. نعتبر مسار حوارنا الغير حكومي مسارا صحيا وديمقراطيا.

ب‌- تستند مرجعيتنا دون أي تحفظ على القيم الكونية لحقوق الإنسان التي نعتبرها تراثا إنسانيا، فكر فيه وأعد ووضع من قبل كل  الشعوب المناضلة من أجا الكرامة، والمساواة والعدالة الاجتماعية، في احترام للتعددية الثقافية، واللغوية، والعرقية، والسياسية، والأيديولوجية والعقائدية.  هذا البعد والأخد بعين الإعتبار للتراث الإنساني تم حجبهما في الحوار الحكومي.

ت‌- إننا ننطلق من تراكم تجارب النضال من أجل حرية تأسيس الجمعيات كما تقرها الإعلانات والمواثيق الدولية التي صادق عليها المغرب، ونريد إصلاح القوانين لنتمتع بهذه الحقوق  ولكي ينسجم المغرب مع التزاماته الدولية. نريد إصلاح قانون الجمعيات لإلغاء كل العناصر التي تمس وتحد من هذه الحرية والتي توجد في قانون 2002 رغم بعض تقدمه و ايجابيته.

ث‌- إننا ننطلق من قراءة  ايجابية لمقتضيات دستور 2011، ونريد ترجمتها عبر تدابير تشريعية وملموسة تقر بالمجتمع المدني والجمعيات كسلطة مستقلة تتمتع بحق بلورة وتقييم السياسات العمومية، لا أن يكون مجتمع مدني خدماتي.

في الأخير نحن مقتنعون بضرورة وضع رؤية واسترايجية جديدتين تقومان على أسس جديدة للعلاقة بين الدولة والجمعيات مقابل رؤية وزارة تريد أن تكون «حارسا على حكامة الجمعيات» وديمقراطيتها الداخلية، وترفض استقلالية الحركة الجمعوية عن الحكومة والأحزاب، وضرباً عرض الحائط سمو القوانين  والقضاء بصفته السلطة الوحيدة المخول لها البث في النزاعات والإشكالات المتعلقة بسير وأنشطة الجمعيات..

 

لقاء تواصلي يوم الثلاثاء 15 أبريل 2014

على الساعة التاسعة صباحا

 بالمكتبة الوطنية للمملكة المغربية